“أديس”: وزير البترول ونجل رئيس الزمالك الأسبق في دائرة الاتهامات حول نهب حقول النفط في مصر

في خضم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تعصف بمصر، تبرز فضيحة مدوية تهز أركان قطاع البترول، حيث تُتهم وزارة البترول، وعلى رأسها الوزير الحالي كريم بدوي، بالتورط في التعتيم على كشف المخطط الممنهج لإهدار الثروات الوطنية، مما يشكل حنث باليمين الدستورية التي أقسم عليها الوزير أمام رئيس الجمهورية بالحفاظ على مصالح البلاد.
تتعلق الفضيحة بإسناد تشغيل حقول نفطية قديمة إلى شركة “أديس” في صفقة مثيرة للجدل، وأثارت تساؤلات عن الفساد وسوء الإدارة الذي ينهش هذا القطاع الحيوي.
“حقول متقادمة” أم نهب ممنهج للثروات الوطنية؟
كشفت مصادر مطلعة أن قيادات في وزارة البترول تعمدت إهمال صيانة بعض الحقول النفطية، وتحديدًا في خليج السويس، ووصفتها زورًا بأنها “حقول متقادمة” لتبرير طرحها في مزايدة مشبوهة. ووفقًا لمعلومات حصلت عليها منصة “بترو-بوست”، فإن إجراءات متعمدة من داخل الهيئة العامة ووزارة البترول أسهمت في تقليص إنتاجية الحقول بشكل مصطنع، حيث تم تعطيل عمليات الصيانة الدورية، وعدم إعادة تأهيل الآبار، مما أدى إلى تراجع الإنتاج ظاهريًا، لتبرير طرح هذه الحقول وتسهيل عمليات الاستيلاء عليها.
لكن ما يثير الغضب هو أنه بمجرد حصول شركة “أديس” المملوكة في جزء كبير منها لنجل رئيس نادي الزمالك الأسبق ممدوح عباس على عقد التشغيل، ارتفع إنتاج الحقول خلال 41 يومًا فقط من 1700 برميل يوميًا إلى 5500 برميل يوميًا، مما يؤكد أن المشكلة لم تكن في قدم الحقول، بل في سوء الإدارة المتعمد. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات، بل هي دليل إدانة صارخ يفضح تلاعب قيادات الوزارة بمقدرات الدولة لصالح مستثمرين مقربين، وسط غياب أي رقابة فعلية.
فضيحة “أديس”: موارد مصر في مهب الريح
حصلت “أديس” على عقد تشغيل الحقول، وبعد استلامها مباشرة، ارتفع الإنتاج بشكل غير مسبوق دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة. ووفقًا للمعلومات التي حصلت عليها بترو-بوست، فإن التكلفة الفعلية لصيانة هذه الحقول لم تتجاوز 3 ملايين دولار، لكن في المقابل، حصلت “أديس” على نصف الأرباح من الزيادة الإنتاجية بعدحد الأساس1700 برميل/ يوم.
وفيما يلي تحليل مبسط يكشف حجم الزيادة الإنتاجية والأرباح، دون استخدام معادلات معقدة، ليسهل على القارئ فهم الأرقام:
زيادة الإنتاج الصاروخية:
– بدأ الإنتاج بـ 1700 برميل يوميًا.
– ارتفع إلى 5500 برميل يوميًا بعد 41 يومًا فقط من استلام أديس الحقول.
– هذا يعني زيادة قدرها 3800 برميل يوميًا (5500 – 1700).
و لحساب نسبة الزيادة، نقسم الزيادة على الإنتاج الأصلي: (3800 / 1700) = 2.235 وهذا يعني زيادة في الانتاج بنسبة 223.5% تقريبا.
أرباح ضخمة في وقت قياسي:
لنفترض أن سعر برميل النفط 80 دولارًا، وهو سعر تقريبي، على ذلك تكون الزيادة في الإنتاج اليومي والتي تبلغ 3800 برميل، تعادل أرباحًا يومية إضافية قدرها 304,000 دولار (3800 برميل × 80 دولار). ولأن شركة “أديس” تحصل على نصف هذه الأرباح طبقًا للاتفاق الذي تم من دون إقراره من مجلس النواب، فإن أديس تحصل على ما يقارب 152,000 دولار يوميًا.
- التكلفة الاستثمارية لشركة “أديس” في الصيانة: 3,000,000 دولار.
- الأرباح اليومية بعد الصيانة: 152,000 دولار يوميًا.
- مدة استرداد الاستثمار:
3,000,000 ÷ 152,000 = 19.7 يوم ≈ 20 يومًا. - أي أن “أديس” استردت استثمارها خلال 20 يومًا فقط.
- الأرباح الصافية خلال الأيام المتبقية من أول 41 يومًا:
152,000 × 21 = 3,192,000 دولار.
أي أن “أديس” حققت 3,192,000 دولار كأرباح صافية خلال الـ 21 يومًا المتبقية من أول 41 يومًا. - الأرباح السنوية:
152,000 × 365 = 55,480,000 دولار.
أي أن الشركة ستحقق 55,480,000 دولار كأرباح سنوية.
ماذا يعني ذلك؟
هذه الأرقام تكشف حجم الفضيحة:
– زيادة الإنتاج الضخمة في وقت قصير تثبت أن الحقول لم تكن “متقادمة”، بل كانت تعاني من إهمال متعمد.
– الأرباح الهائلة التي حققتها “أديس” في وقت قياسي تثير تساؤلات حول مدى نزاهة الصفقة.
– استرداد التكلفة في أيام معدودة يؤكد أن الاستثمار كان ضئيلاً مقارنة بالأرباح.
ببساطة، شركة “أديس” حققت أرباحًا ضخمة في وقت قياسي، بينما خسرت الدولة المصرية ملايين الدولارات بسبب الإهمال والتلاعب.
تفاصيل الفضيحة تكشف عن تسلسل زمني مثير للريبة:
– مارس 2023: تنازلت شركة “فينترسال ديا” الألمانية عن امتيازها في خليج السويس لصالح الهيئة العامة للبترول.
– مارس 2024:حصلت “أديس” على العقد وسط غياب أي شفافية أو تنافسية حقيقية، كانت المتقدّم الوحيد للحصول على الصفقة.
– أغسطس 2024: بدأت “أديس” التشغيل، وخلال 41 يومًا فقط، تضاعف الإنتاج.
– التكلفة الفعلية للصيانة: لم تتجاوز 3 ملايين دولار.
– العائد الذي حصلت عليه “أديس”:500 مليون دولار من الأرباح خلال 10 سنوات.
هذه الأرقام تعكس استنزافًا صارخًا للمال العام، حيث قدمت الدولة مواردها الطبيعية على طبق من ذهب لشركة خاصة دون أي مبرر اقتصادي مقبول.
تضارب المصالح: كيف أصبح مسؤولو الوزارة خدماً لـ”أديس”؟
لم يتوقف الفساد عند تمرير الصفقة، بل وصل إلى تعيين مسؤولين كبار في الوزارة بمناصب قيادية داخل “أديس” بعد أسابيع من تقاعدهم، وهو ما يمثل انتهاكًا صارخًا لقانون تعارض المصالح رقم 106 لسنة 2013.
ومن بين هؤلاء:
– المهندس محمد الخياط: رئيس مجلس إدارة “سوكو” السابق، الذي وقع العقد مع “أديس”، ثم تم تعيينه مديرًا للعمليات في “أوسوكو” التابعة لـ”أديس”.
– المهندس شريف حسب الله نائب وزير البترول لشؤون الإنتاج السابق، الذي أشرف على المزايدة، وتم تعيينه لاحقًا مديرًا للعمليات في “سوكو”.
– المهندس محمد بيضون: نائب رئيس الهيئة العامة للبترول السابق، الذي أشرف على تجهيز المزايدة، وأصبح ممثلًا لـ”أديس” في “سوكو”.
هذه التعيينات لم تكن مصادفة، بل تعكس شبكة مصالح متشابكة تُدار داخل وزارة البترول، حيث يتم تسهيل صفقات مشبوهة ثم يتم مكافأة المتورطين فيها بمناصب عليا في الشركات المستفيدة.
محاولات التغطية على الفضيحة
في مواجهة الانتقادات المتزايدة، تحاول وزارة البترول التغطية على الفضيحة بالترويج لروايات زائفة حول “الحاجة إلى استثمارات أجنبية” و”إنقاذ الحقول المتقادمة”. كما تحاول الوزارة الدفاع عن تعيين المسؤولين السابقين في “أديس” بالقول إنهم “كفاءات وطنية”.
لكن هذه التبريرات لا تصمد أمام الحقائق الدامغة، فالأرقام تكشف أن الحقول لم تكن بحاجة إلى تطوير حقيقي، بل كانت ضحية لإهمال متعمد سمح بتمرير صفقة مربحة لصالح مستثمرين بعينهم.
أسئلة مشروعة تنتظر الإجابة
في ظل هذه الفضيحة، هناك تساؤلات مشروعة يجب أن تُطرح:
– لماذا لم يتم تقسيم الحقول إلى مناطق أصغر لزيادة فرص التنافس؟ بعدما تبين أن كثير من الشركات استصعبت دخول المنافسة لاتساع عملية الطرح، ويبدو ان ذلك كان مخططًا له بدقّة.
– إذا لم تتقدم سوى “أديس” للمزايدة، وعليه تساءلتْ قيادات في الوزارة –رفضت الكشف عن اسمها خوفًا من عصابة الشر بالوزارة- لماذا لم يتم إلغاؤها وإعادة طرحها بشروط جديدة؟
– هل تم تعديل شروط المزايدة بعد إغلاقها، بما يشكل إسنادًا مباشرًا غير قانوني؟ المعلومات تذهب إلى أن عملية الطرح والاسناد شابتها تفاصيل مثيرة.
– لماذا لم تقم الهيئة العامة للبترول بصيانة الحقول بنفسها قبل طرحها للاستثمار بحيث يتم زيادة حد الأساس الصحيح للحساب مع أديس؟
– كيف سُمح لشركة خاصة بالاستحواذ على نصف الأرباح دون تقديم استثمارات تُذكر؟
– كيف انتقل المسؤولون الذين أشرفوا على الصفقة للعمل في “أديس” بعد تقاعدهم؟
– من يتحمل مسؤولية إهدار 500 مليون دولار من أموال المصريين بسبب هذه الصفقة؟
هل حان وقت المحاسبة؟
ما يحدث في قطاع البترول هو نموذج صارخ للفساد المؤسسي الذي يستنزف ثروات مصر لصالح قلة من المنتفعين. وفي الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد المصري من أزمات خانقة، يتم إهدار الموارد الوطنية بلا أي رقابة حقيقية.
على الجهات الرقابية، وخاصة الرقابة الإدارية والأجهزة السيادية، أن تتحرك فورًا لكشف ملابسات هذه الفضيحة، وإحالة المتورطين فيها إلى المحاسبة القضائية. كما يجب فتح تحقيق موسع حول إدارة حقول البترول القديمة في مصر، لضمان عدم تكرار مثل هذه الصفقات التي تهدر أموال الدولة لصالح حفنة من رجال الأعمال والمسؤولين السابقين.
هذه القضية لا يجب أن تمر مرور الكرام، فإما أن تتحرك الدولة لمحاسبة الفاسدين، أو أن يُترك قطاع البترول رهينة للنهب المنظم.. وفي هذه الحالة، لن يكون انهيار الاقتصاد المصري سوى مسألة وقت.